تفسير سورة النبأ وسبب نزولها

تفسير سورة النبأ وسبب نزولها

سبب نزول سورة النبأ

سُمّيت سورة النّبأ بهذا الاسم لوقوع كلمة النّبأ في أوّل السورة، ولها أسماء أخرى اشتهرت بها؛ مثل اسم: سورة عمّ؛ نسبة لأول آية في السورة، وتُسمّى أيضًا: سورة التساؤل؛ لوجود كلمة يتساءلون في أولها، والبعض سمّاها: سورة المعصرات؛ نسبة لقوله -تعالى-: (وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا).

ويُذكر أنّ سبب نزول السورة هو تساؤل المشركين بين بعضهم البعض عن البعث بعد الموت بأسلوب استهزائي، وكثرة سؤالهم النبيّ -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين عنه، فجاء الردّ من الله -سبحانه وتعالى- على ادّعاءاتهم من خلال الآيات، وبيّن فيها أصناف النّاس فمنهم من هو مُنكر لهذا اليوم، ومنهم من هو مُشكّك في حقيقته، ومنهم من هو مُستبعد له، فبدأت السورة بالإخبار عن النّبأ العظيم، وإثبات البعث ويوم القيامة ردّا على تساؤلاتهم. قال -تعالى-: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ* الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ).

يتلخّص مما سبق أن سورة النبأ اشتهرت بهذا الاسم، وكانت ردًّا من الله على الكافرين المُشكّكين بتساؤلاتهم في حقيقة البعث ويوم القيامة.

تفسير سورة النبأ

تضمّنت سورة النّبأ إخباراً عن البعث وأحداث يوم القيامة، وتسلسل الآيات في ذكر ما خلق الله في الكون، وجزاء المؤمنين ومصير الكافرين يوم الحساب، وبيان ذلك في تفسير الآيات كما يأتي:

التساؤل عن النبأ العظيم

الآيات التي تتحدّث عن هذا العنوان هي قول الله -تعالى-: (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ* عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ* الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ* كَلَّا سَيَعْلَمُونَ* ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ)، حيث يُنكر الله -سبحانه وتعالى- في هذه الآيات على المشركين تساؤلاتهم حول يوم البعث، فيقول: عن أي شيء أنتم تتساءلون، ثمّ ذكر النّبأ العظيم وقصد به البعث بعد الموت، ففيها إخبار عن ثبوته وحقيقة وجوده التي يتساءلون عنها، فاختلفوا فيه بين كافر به ومؤمن، ثمّ توعّد الله لمن أنكر يوم القيامة والبعث بالوعيد الشديد وهدّدهم بأنهم سيعلمون حقيقة هذا النّبأ.

مظاهر قدرة الله تعالى

الآيات التي تتحدّث عن هذا العنوان هي قوله -تعالى-: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا* وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا* وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا* وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا* وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا* وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا* وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا* وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا* وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا* لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا* وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا). يجذب الله -سبحانه وتعالى- انتباه القارئ من خلال سياق الآيات إلى عدد من المشاهد العظيمة، وعجائب مخلوقاته التي لن يخلق مثلها إلا هو، وكأنّه يقول لهم: أليس الذي خلق كلّ هذه المخلوقات قادر على البعث؟

فقد جعل الله الأرض فراشًا وبساطًا لكم، وجعل الجبال أوتاد لِتُثبّت الأرض، وخلقكم أزواجاً ذكوراً وإناثاً على اختلاف صفاتكم من طول وقصر، وجمال وبساطة، وجعل لكم في النوم السكن والهدوء والراحة، وعلى الرغم من كونكم أحياء إلا أنّكم تبدون بالنوم كالأموات لا تشعرون بشيء، وجعل من الليل غطاء لكم، فعندما يغشى سواد الليل تسكن الأجواء ويرتاح النّاس مما كانوا يفعلوه في النّهار من سعي للأرزاق وطلب للمعاش.

وقد بنى السماء لتكون سقفًا حافظًا للأرض بشكل محكم لا صدع ولا فطور فيه، ووصف الله -تعالى- الشمس بالسراج الوهّاج؛ دلالة على ضيائها وقوّة نورها، وأنزل من خلال الرياح ماءً منصب يتدفّق تباعاً؛ لِيخرج الله من هذا الماء زروع الأرض وبساتينها من كلّ الثمار، وقال البعض إنّ القصد بكلمة المعصرات هي السحّاب الذي يمتلئ بالمطر، وقال آخرون هي السماء، وقصد بألفافا؛ أي مجتمعة ومُلتفة حول بعضها.

أحداث يوم القيامة

الآيات التي تتحدث عن هذا العنوان هي قوله -تعالى-: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا* يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا* وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا* وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا). حيث يذكر الله -سبحانه وتعالى- في هذه الآيات بعض أهوال يوم القيامة، فيقول: إنّه جعل من يوم القيامة بتقديره وعلمه حدًّا لحياة الخلائق، وأقّت به الحياة الدّنيا، فعند النفخ في الصور النفخة الأخيرة يأتي النّاس أفواجًا؛ أي مجموعات متتابعة حتى تجتمع كلّ المخلوقات، وتُفتح السماء لنزول الملائكة، فتُصبح كأنها مكونة من أبواب، وتصير الجبال سرابًا ولا تعود موجودة بقدرة الله، فمن ينظر إلى أماكنها لن يجدها وكأنها لا شيء.

عقوبة الكفار وثواب المؤمنين في الآخرة

الآيات التي تتحدث عن هذا العنوان قوله -تعالى-: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا* لِّلطَّاغِينَ مَآبًا* لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا* لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا* إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا* جَزَاءً وِفَاقًا* إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا* وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا* وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا* فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا* إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا* حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا* وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا* وَكَأْسًا دِهَاقًا*لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا* جَزَاءً مِّن رَّبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا* رَّبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَـنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا). حيث يُبيّن الله -سبحانه وتعالى- مصير الكافرين وجزاء المؤمنين من خلال هذه الآيات كما يأتي:

  • عقاب الكافرين: جعل الله -سبحانه وتعالى- من نار جهنّم منزلًا للكافرين يمكثون فيها، فكلما خرجوا من حقبة يدخلوا بأخرى، ليس لهم فيها طعام ولا شراب إلا الحميم؛ وهو ماء شديد الحرارة، فهذا جزاء من الله مُوافق لما عملوا في الحياة الدّنيا، وبسبب عدم خوفهم من الله وتكذيبهم بآياته سيلاقون من العذاب ما هو أشد ومن الألم دون توقّف.
  • جزاء المؤمنين: أعدّ الله -سبحانه وتعالى- للمؤمنين جزاءً بما صبروا فوزًا عظيمًا، ومكانًا رفيعًا في الجنّة، فلهم فيها بساتين مُثمرة وكروم من العنب، ونساء من الحور العين يتمتّعون بهنّ بمتعة لم يُعلم حقيقتها، وهنّ متساويات في الأعمار، فالترب في اللغة يعني: متشابهين في العمر، ولهم أيضأ كؤوس دهاقًا وهي: الأكواب المملوءة بخمر الجنّة، وصان الله آذانهم عن سماع الكذب والكلام الذي لا يُعتدّ به، وهذا عطاء وعوض جميل من الله لهم.

حسرة الكافرين يوم القيامة

الآيات التي تتحدث عن هذا العنوان قوله -تعالى-: (ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا* إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا). حيث يَصفُ الله -سبحانه وتعالى- بهذه الآيات حال الكافر يوم القيامة، كيف تأكله الحسرة والندامة على ما فعل في حياته، ويقول مُتمنّيا خلاصه من العذاب: يا ليتني لم أُبعث أو أُحاسب وبقيت ترابًا تحت الأرض.

يتلخّص مما سبق: تضمّنت سورة النّبأ الإخبار العظيم من الله -سبحانه وتعالى- بإثبات البعث، وذكر فيها بعض مخلوقاته، وأهوال يوم القيامة، وأنّ مصير الكافرين المكذّبين هو النّار، وجزاء المؤمنين هو الجنّة.

40إسلام
مزيد من المشاركات
شعر عن الصديقة

شعر عن الصديقة

شعر عن الصديقة الوفية تحاول إسعادي بشت الطرايق تشيل كل شي وقف في طريقي هذه الصديقة اللي له الاسم لا يقال أصل الوفي من معداً أصلي حقيقي أما صديقي لا صار رايقة ما يستحق أنها تسمى صديقه شعر عن الصداقة فيما يأتي مجموعة أشعار لشعراء متعددين عن الصداقة: الشاعر محمود سامي البارودي فيما يأتي قصيدة عن الصداقة للشاعر محمود سامي البارودي : لَيسَ الصَّدِيقُ الَّذِي تَعْلُو مَنَاسِبُهُ بلِ الصديقُ الذي تزكو شمائلهُ إن رابكَ الدهرُ لمْ تفشل عزائمهُ أَو نَابَكَ الْهَمُّ لَمْ تَفْتُرْ وَسائِلُهُ يَرعَاكَ فِي
فوائد وأضرار منظم السكر

فوائد وأضرار منظم السكر

فوائد منظم السكر منظم السكر أو مساعد السكري أو دواء المتفورمين (بالإنجليزية: Metformin) هو أحد الأدوية الموصوفة لعلاج السكري من النوع الثاني، إذ يُسبب مرض السكري ارتفاع مستوى سكر الدم أو الجلوكوز أعلى من الحد الطبيعي، ويجب التنبيه إلى أنّ هذا الدواء لا يُوصف إلا من قبل الطبيب، ومن أهم فوائده ما يأتي: تقليل مستوى سكر الدم: يُقلل المتفورمين سكر الدم من خلال تحسين حساسية الجسم للإنسولين . تحسين خصوبة الرجال: يحسن المتفورمين من وظيفة الإنجاب لدى الرجال المصابين بالسكري، كما أنّه يُحسن حركة
كيف نشكر الله على نعمة الماء؟

كيف نشكر الله على نعمة الماء؟

كيفية شكر نعمة الماء لا بدَّ لنا نحن المؤمنون من أن نتعلَّم كيف نشكر الله على نعمه الكثيرة، ومن هذه النعم الماء الذي هو أحد النعم العظيمة التي منَّ الله -سبحانه وتعالى- بها على عباده، وهو من آيات الله -تعالى- التي لا يمكن للإنسان الاستغناء عنها، فهو سرُّ النمو والبقاء لكل شيء، فمنه يشرب الإنسان ويرتوي، ويزرع ويحرث، كما يشرب منها الحيوان، ويرتوي النبات، وتنمو به أصناف الثمار المختلفة، لذا وجب على الإنسان الحفاظ على هذه النعمة العظيمة، وشكر الله على نعمة الماء بما يلي : عدم الإسراف الماء هو أحد
مدينة سلا المغربية

مدينة سلا المغربية

مدينة سلا المغربية مدينة سلا هي واحدة من المدن المغربيّة التي تأسست في القرن الأول قبل الميلاد، وتبلغ مساحة أراضيها 95.48 كم²، وكان اسمها قديماً مدينة شالة، وتقسّم إداريّاً إلى خمس مناطق هي باب لمريسة، وحصين، وبطانة، وتابريكت، ولعيايدة، كما تلقب بعدة ألقاب كمدينة السبعة أبواب، ومدينة الشموع، ومدينة الأولياء، ومدينة القراصنة. جغرافيّة مدينة سلا تقع فلكيّاً على خط طول 6.83595 درجة شرق خط جرينتش، وعلى دائرة عرض 34.02950 درجة شمال خط الاستواء، وتقع جغرافيّاً بالقرب من العاصمة المغربية مدينة الرباط
وسائل الوقاية من أخطار السموم القاتلة

وسائل الوقاية من أخطار السموم القاتلة

السموم القاتلة توجد العديد من المواد التي تحيط بالإنسان، بعضها يمكن الاستفادة منها، والبعض الآخر يسبّب الضرر والأذى له، وتعدّ السموم من أهمّ المواد المتنوّعة التي تُلحق الأذى بالإنسان في مختلف المجالات، وتُعرّف السموم بأنّها مواد كيميائيّة من أصل حيواني، أو نباتي، أو مواد مستخلصة من البترول أو مواد مصنّعة كيميائيّاً، بحيث تصل هذه السموم إلى الإنسان إما في المنزل أو في العمل خصوصاً إذا كان مصنعاً ينتج مواد كيميائيّة، أو في الحقول الزراعيّة، أو في حديقة معرّضة للتلوّث بالمبيدات الحشريّة، وتعدّ
بحث عن الأديان السماوية

بحث عن الأديان السماوية

الإسلام للإسلام مفهومٌ عامٌّ وخاصٌّ؛ فالعام هو الاستجابة لأمر الله تعالى، والانقياد له في كلّ زمانٍ، وهو دين الأنبياء كلّهم، ودين أتباعهم، أمّا الخاص فهو اتباع الشرع الذي بُعث به محمداً صلّى الله عليه وسلّم، والله -سبحانه- لا يقبل ديناً ولا شرعاً بعد بعثة الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهو استسلامٌ لله متمثّلٌ في فعل ما يأمر به، وترك ما ينهى عنه، وتوحيد الله، والإخلاص له، ومنه: أداء الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصوم رمضان، والذلّ والانكسار لله؛ رغبةً فيما عنده، ومرضاةً له. النصرانيّة هو
آيات القضاء والقدر في القرآن الكريم

آيات القضاء والقدر في القرآن الكريم

آيات القضاء والقدر في القرآن الكريم لقد جاء في القرآنِ الكريمِ عدد من الآياتِ القرآنيةِ التي تحدّثت عن القضاء والقدر ، من هذه الآياتِ ما تمَّ استخدامُ لفظِ القدرِ صراحةً، ومنها لم يتمَّ استخدامُ تلكَ الكلمةِ، لكنَّ معنى الآية دلَّ على الحديث فيها عن القضاءِ والقدرِ، وفيما يأتي ذكر تلكَ الآياتِ: الآيات التي ذكرت فيها كلمة القدر لقد وردت كلمة القدر في خمسِ مواضعٍ من القرآنِ الكريمِ، وفيما يأتي ذكر هذه المواضع: الآية من سورة القمر : (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ). (إِنَّ اللَّهَ
مواضع ذكر الحقد في القرآن

مواضع ذكر الحقد في القرآن

مواضع ذكر الحقد في القرآن الكريم ورد في القرآن الكريم مواضع كثير تضم في معناها مفهوم الحقد ، سأذكر منها ما يأتي: قوله -عز وجل-: (إن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ)، ذكرت الآية الكريمة حال المنافقين وموقفهم اتجاه المؤمنين المليء بالحقد والعدواة؛ وذلك عند انتصار المؤمنون، وعندما يصبح لديهم العديد من الأنصار والحلفاء. قوله- عز وجل-: (إِذْ قَالُوا