علم الأصوات في اللغة العربية
تعريف علم الأصوات في اللغة العربية
علم الأصوات هو العلم الذي يتناول دراسة الأصوات الإنسانيّة في جانبها المادي؛ من أجل وَصْفها، وتحليلها، وتفسيرها، وكتابتها، معتمدًا في ذلك كلّه، على النظريات والمعارف المُستمدة، من الفروع الرئيسيّة الثلاث لعلم الأصوات: وهي علم الأصوات الفيزيائي، وعلم الأصوات السمعي، وعلم الأصوات الأكوستيكي، أو الفسيولوجي.
وقد أصبحت علوم الأصوات الفرعيّة الثلاث في وقتنا الحاضر، علومًا متطوّرة تستخدم الآلات والأجهزة المتنوعة، وأُطلق عليها اسم: علم الأصوات التجريبي، وأصبح هذا العلم من العلوم الحديثة، التي جاءت بعد فترة طويلة كان الدارس خلالها، يعتمد على الملاحظة الحسيّة وحدها.
فقد بدأ علم الأصوات التجريبي بشق طريقه إلى الدرس الصوتي اللغوي، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، على يدّ بعض العلماء الألمان مثل: لوديمار هيرمان، وعالم الأصوات "كارل لوفيغ"، الذي اخترع آلة الكيموغراف.
نشأة علم الأصوات في اللغة العربية وتطوره
يرتبط ظهور العلم الصوتي بداية، بنشأة الدراسات اللغويّة العربيّة، التي بدأت بنزول القرآن الكريم، وتدوينه، ثم تلاوته، وتعليم قراءته، وقد صدرت الملاحظات اللغويّة الأولى، حول علم الأصوات، من العلماء القدامى والصحابة، والتابعين، بصورة شفهيّة، دون تدوين لها.
وكان الجهد اللغوي المنظم، بدأ كتابةً بالأوراق الأربعة، التي ذكر ابن نديم أنه شاهدها بخط: يحيى بن يَعْمر عن أبو الأسود الدؤلي، وقد احتوت على كلام، عن الفاعل والمفعول، ثم اتسعت حركة البحث وجمع اللغة، حتى انتهى ذلك، بظهور الكتب الجامعة، التي تضم ألفاظ اللغة مثل: كتاب "معجم العين للخليل الفراهيدي"، و"كتاب سيبويه" وغيره من النحويين.
بدايات علم الأصوات
كانت بدايات علم الأصوات، قد جاءت مختلطة بالدراسات اللغوية، والنحويّة الأولى، فكانت بداية الكتب، التي تحدّثت عن علم الأصوات هو: "معجم العين" للفراهيدي، ثم كتاب سيبويه، الذي احتوى على بعض المباحث، التي تخص علم الصوت مثل: باب الإدغام، وباب الوَقْف.
ولا يكاد يخلو أي كتاب قديم في النحو والصرف، من الحديث عن المباحث الصوتيّة، تطوّرت المباحث الصوتيّة العربيّة في القرن الرابع والخامس للهجرة، فأصبحت علمًا مستقلاً بذاته، وقد بدا ذلك واضحًا في "كتاب ابن الجنّي سرّ صناعة الإعراب"، وكان كتابًا مهمًا في مجال الدرس الصوتي العربي؛ بسبب ما ورد فيه: من مباحث صرفيّة ولغويّة.
استقلال علم الأصوات
ظهر استقلال علم الأصوات عن العلوم اللغويّة الأخرى، لدى علماء التجويد، الذين خصّصوا للمباحث الصوتيّة الخاصة بالقرآن الكريم، كتبًا مستقلة أطلقوا عليها: "علم التجويد"، وكان ذلك في القرن الرابع للهجرة: على يدّ أبي مزاحم الخاقاتي.
وأمّا في القرن الخامس، فقد بدا واضحًا استقلال علم الأصوات، وشمول مباحثه من شتى الوجوه، وقد لخّص الحسن بن القاسم المرادي، علم التجويد: أنه يتوقّف على عدّة أمور منها: معرفة مخارج الحروف وصفاتها، ومعرفة ما يتجدد لها؛ بسبب التركيب من الأحكام، ولا يكاد أي كتاب من كتب التجويد يخلو من الموضوعات الرئيسية، لعلم الأصوات من: المخارج والحروف والتركيب.
تطور الدراسات الصوتية
وظلّت المباحث الصوتيّة تحتل مكانة مهمة في كتب النحو، وكتب الصرف، وقد ظهر ذلك الاهتمام في "شروح المقدمة الجزرية" لأبي محمد بن الجزري، وعلى يد عدد من العلماء، الذين عُنوا بتعليم ودراسة القرآن الكريم: مثل محمد المرعشي، الذي ألّف "كتاب جهد المقل" في علم التجويد، وتضمّن هذا الكتاب: شرحًا وافيًا وعميقًا، لأصوات اللغة العربيّة.
فيمكننا القول إن الدراسات الصوتيّة العربية، نشأت نشأة أصيلة، وتطوّرت ذاتيًا، استجابة لحاجة الناطقين، والدارسين لقواعدها، وقطعت شوطًا كبيرًا في ذلك، ثم جاءت الدراسات الصوتيّة العربيّة الحديثة، مُؤسِسة على الجهود السابقة، ومكملة لها.
مؤلفات في علم الأصوات
وقد تفاوتت الكتب المؤلّفة في علم أصوات اللغة العربية، في العصر الحديث، بمقدار اعتمادها على مصادر الدراسات الصوتيّة العربيّة القديمة، فمنها: ما يشعر القارئ أنها ترجمة حرفيّة من كتب علم الأصوات الغربيّة، ومنها ما جمع بين المصادر القديمة والمصادر الحديثة.
ولكن غالبيّة المؤلفين أعطوا مصادر الدراسات اللغويّة الغربية، مساحة أكبر من المصادر العربية في كتبهم، بالرّغم من أنّ الدراسات الصوتيّة العربيّة القديمة، أولى بالرجوع لها، لأنها بداية علم أصوات اللغة، وقد أثبت المؤرخون، لتاريخ الدراسات الصوتيّة اللغويّة في العالم، بسبق الدراسات اللغويّة الصوتيّة العربيّة على غيرها، من الدراسات بتثبيت الحقائق، على أُسس علميّة.
فروع علم الأصوات
اللغة هي أصوات منطوقة تُصدرها آلة النّطق عند الإنسان، وتنتقل هذه الأصوات من فم الناطق، إلى أذن السامع عبر الهواء، وقد تطوّرت دراسة الأصوات في عصرنا الحالي، وشملت مراحل إنتاج الصوت، وانتقاله وتلقيه، وتُخصص لدراسة كل مرحلة من مراحله، فرع من فروع علم الأصوات، وفروع علم الأصوات هي:
علم الأصوات الفسيولوجي
ويسمّى علم الأصوات النّطقي، وهو العلم الذي يهتم بدراسة حركات أعضاء النطق، من أجل إنتاج الأصوات، وتحديد مخارجها، وبيان الصفات الصوتية، التي تشكّلها.
وهو أقدم فروع علم الأصوات وأكثرها انتشارًا، لأنه يدرس نشاط المُتكلّم بالنسبة لأعضاء النطق، وما يعرض لها من حركات، فيُعيّن هذه الأعضاء، ويُحدد وظيفتها، ودور كل منها في عمليّة النّطق، انتهاءً بتحليل عمليّة إصدار الأصوات، من جهة المُتكلّم.
ويعد من العلوم سهلة الدراسة، التي لا تحتاج الكثير من العناء، فيمكن ملاحظتها بمساعدة آلات بسيطة، وقد كانت الدراسات الصوتيّة القديمة، مبنيّة على هذا الأساس.
وقد أتاح التقدّم العلمي، في خطو علم الأصوات المنطقي، خطوات بعيدة المدى في دراسة أعضاء النطق وكيفيّة إنتاج الأصوات، فاستعان الدارسون بعلم التشريح، وعلم وظائف الأعضاء؛ للتعرّف الدقيق على عمليّة النطق، والكشف عن أسرارها.
علم الأصوات السمعي والإدراكي
علم الأصوات السمعي، هو أحدث فروع علم الأصوات، وله جانبان: جانب عضوي، وجانب نفسي، أما الجانب العضوي: فوظيفته دراسة الذبذبات الصوتيّة، وهو يقع في مجال علم وظائف أعضاء السمع.
أما الجانب الآخر: وهو النفسي فيهتم بدراسة كيفيّة انتقال تأثير الأصوات من الأذن الداخليّة إلى عقل الإنسان، وإدراك دلالاتها المعنويّة، وهو أقرب ما يكون إلى علم النفس.
ودراسة علم الأصوات السمعي يحتاج إلى أجهزة وآلات غير متاحة للغويّ، وإذا أتيحت هذه الأجهزة فقد يكون اللغوي غير قادر على التعامل معها بطريقة دقيقة؛ لذا فالدراسة في علم الأصوات السمعي، متأخرة عن مثيلاتها من الفرعين: الآخرين علم الأصوات النطقي والفيزيائي.
ومثال ذلك، فإن الصوت الذي تُنتجه أعضاء آلة النطق، لا تتحقق له قيمته الفعليّة إلا بعد أن تستقبله أذن السامع، ووظيفة اللغة، لا تتم إلا إذا كان الكلام يحصل بين شخصين أو أكثر، فسماع الأصوات جزء أساس لأداء اللغة لوظيفتها، لكن آلة السمع يرتبط عملها، بعمل آلة النطق.
علم الأصوات الفيزيائي
هو العلم الذي يقوم بدراسة التركيب الطبيعي للصوت، فهو يحلل الذبذبات والموجات الصوتيّة المنتشرة في الهواء، بصفتها ناتجة عن ذبذبات الهواء في الجهاز النطقي، فوظيفته تقتصر على المرحلة، الواقعة بين فم المتكلّم وأذن السامع.
وتوضيح بعض القضايا المتعلقة بفيزياء الصوت يكشف لدارس أصوات اللغة أمورًا لا غنى عنها، إذا أراد أن يفهم حقائق الصوت بشكل صحيح، ومن أهم قضايا علم الأصوات الفيزيائي: معرفة الذبذبة، ودرجة الصوت، والموجة الصوتيّة وأنواعها.
ومثال عليه فإن الصوت طاقة أو نشاط خارجي، تقوم به أجساد ماديّة، ويؤثر في الأذن تأثيرًا يحدث عند سماعه، والصوت اللغوي: أثر سمعي يصدر طواعية عن أعضاء النطق، ويشتمل: موجات تنتشر بسرعة عالية في الهواء.
أبرز علماء الأصوات العرب
ومن أبرز علماء الأصوات العرب قديمًا وحديثًا نذكر ما يأتي:
- أبو الأسود الدؤلي
(16-69ه)، هو أبو الأسود ظالم بن عمرو بن سفيان الدؤلي الكناني، من سادات التابعين والفقهاء والمحدثين، وهو عالم نحوي، وأول من وضع علم النحو، وأول من شكّل القرآن الكريم، ويُلقّب بملك النحو.
- الخليل بن أحمد الفراهيدي
(718م-786م)، هو الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي، شاعر ونحوي عربي بصري، وإمام من أئمة اللغة والأدب العربي، تلقى العلم على يديه أهم العلماء مثل: سيبويه، والأصمعي، والكسائي، وهو واضع علم العروض ، ولد في البصرة ومات فيها.
- ابن جني
(330ه-392ه)، هو أبو الفتح عثمان بن جني، عالم نحوي كبير، من مواليد الموصل، نشأ وتعلّم على يد أحمد بن محمد الموصلي الأخفش، ومن أشهر كتبه كتاب: "الخصائص" وهو أفضل كتب اللغة، وفقه اللغة في التراث العربي، وهو شامل لقضايا اللغة، وتصاريفها، ولهجاتها، وأصواتها.
- إبراهيم أنيس
(1906م-1977م)، هو رائد الدراسات اللغويّة العربيّة، من مواليد القاهرة، عمل مدرّسا في كلية الآداب في الإسكندريّة، وأنشأ معمل الصوتيات، لتحديث الدراسات اللغويّة ودراسة الأصوات، وعمل خبيرا بمجمع اللغة العربيّة، أول من دعا إلى إيجاد نطق نموذجي ينشر في جميع البلاد العربيّة، ومن أهم مؤلفاته: "موسيقى الشعر".
- كمال محمد بشر
(1921م-2015م)، هو من مواليد دمشق، ويعد من أوائل الأشخاص اللذين نشروا علم اللغة الحديث، في الجامعات العربية، وكان مدرسة في إعداد الباحثين اللغويين، من أشهر كتبه: كتاب "قضايا لغويّة"، كتاب "دراسات في علم اللغة"، كتاب "علم الأصوات".
- إبراهيم السامرائي
(1923م-2001م)، هو أديب وشاعر عراقي، كان عضوًا في مجمع اللغة العربيّة، وله العديد من المؤلفات المهمة منها: "فقه اللغة المقارن"، والتطوّر اللغوي"، و"اللغة والحضارة".
كتب عن علم الأصوات في اللغة العربية
ومن أهم الكتب التي تحدثت عن علم الأصوات نذكر ما يأتي:
- "كتاب المدخل إلى علم أصوات العربيّة"
للدكتور غانم قدوري الحمد، نُشر عام 2004م، وعالج الكتاب إنتاج الأصوات اللغويّة وطريقة تصنيفها، و مخارج الأصوات العربيّة وصفاتها ، وتطوّر الأصوات اللغويّة، وأصوات اللغة العربيّة في السلسلة الكلاميّة.
- "كتاب الأصوات العربية المتحولة وعلاقتها بالمعنى"
لعبد المعطي نمر موسى، صدرت عام 2014م، وأبرز القضايا التي عالجها الكتاب، هي: علم الأصوات بين اللغويين القدامى والمحدثين، والحروف والأصوات، ومنهج دراسة الأصوات اللغوية بين اللغويين العرب القدامى والمحدثين، وعدد حروف الأصوات العربية، عند اللغويين العرب، والصوت اللغوي وتطوّره.
- "كتاب علم الأصوات العربية"
مؤلفها أ. د. محمد جواد النوري، صدر عام 1996م، أهم محتويات الكتاب، تعريف علم الأصوات، وجهاز النطق ودوره في إنتاج الأصوات، والفونيمات التركيبيّة في اللغة العربيّة.
- "كتاب في الأصوات اللغوية"
للدكتور غالب فاضل المطلبي، صدر عام 1984م، ومن أهم القضايا، التي عالجها الكتاب، تطوّر أصوات المدّ في اللغة العربيّة، وسلوك أصوات المد في اللغة العربيّة، التعريف بأصوات المدّ، والبحث عن الأصوات اللغويّة العربيّة.