تطوير الذات والثقة بالنفس

تطوير الذات والثقة بالنفس

مفهوم تطوير الذّات

تطوير الذّات البشريّة هو سُنّة الله في خلقه، وهو الشّعار الذي نادى به الكثيرون، وكان سبباً في تغيير مجرى حياتهم بل وتغيير مجرى التّاريخ أيضاً. لا يحتاج تطوير الذّات وتغييرها إلى أكثر من الإرادة القويّة والعزم الصّادق على التّغيير، وقد يكون سبب هذا التّغيير موقفاً مرَّ به الشّخص، أو كلمةً كان لها أكبر الأثَر في نفسه، فهذا الإمام والعالم الكبير الطحّاوي، صاحب العقيدة الطحاويّة، قرّر أن يُغيّر مجرى حياته وسيْرها؛ بسبب بضع كلماتٍ سمعها من خاله المزنيّ عندما كان يحضر مجالس العلم لديه، وقد يئس منه خاله، فقال: (والله لا نفعَ منك ولا فائدة)، هذه الكلمات القليلة كانت المؤثّر والدّافع للإمام الطحاويّ حتّى أصبح عالماً من علماء الأُمّة، وكان يقول: (رحم الله المزنيّ، لو كان حيّاً الآنَ لكفر عن يمينه).

نقطة البداية في تطوير الذّات

يبدأ تطوير الذّات عند الإنسان من لحظة تحسين نظرته إلى ذاته، وإحاطتها بشيءٍ من التّقدير والاهتمام، بعيداً كلّ البُعد عن أيّ تجارب فشلٍ مرَّ بها سابقاً، وأوّل خطوةٍ لإصلاح الذّات هي التقييم الذّاتي، وهي العمليّة الجادة والدّراسة الدّقيقة لذات الشّخص، ويكون ذلك عن طريق بيان نقاط ضعفه وقوّته، ورغبته الدّاخلية في التغيير إلى الأفضل.

وهناك العديد من الأمور التي تُسهِم مُساهمةً فعّالةً في تقدير الذّات، مثل: طريقة مُعاملة الوالدَين في الأسرة، أو أسلوب تعامُل الإخوة والأصدقاء مع الشّخص؛ فالتّأثير التراكُميّ لمُعاملة الوالدَين والإخوة والأصدقاء أو أيّ شخص آخر له شأنٌ وقيمة لديه؛ كلّ ذلك يُحدّد طبيعة تقدير الذّات لدى الإنسان. وقد يصاب الإنسان بخيبةِ أملٍ إن كان تقدير الذّات ضعيفاً لديه، فهو لا يستطيع تغيير الماضي، أو تغيير معاملة الآخرين له، إلا أنَّه يستطيع أن يُغيّر درجة تأثير الماضي عليه، فلا يسمح له بأن يكون سبباً في فشله.

تعريف الثّقة بالنّفس

يرى الأستاذ الدّكتور عبد الكريم بكار أنّ الثّقة بالنّفس تعني: اعتقاد الشّخص اعتقاداً جازماً بأنّ لديه القُدرة على إنجاز العديد من الأمور المفيدة، والتي قد يعجز عن إنجازها وتحقيقها العديد من أقرانه، وليس شرطاً أن يكون هذا الاعتقاد مُطابقاً تماماً للواقع الذي يعيشه ذلك الشّخص، ولكن يكفي مُجرّد الاعتقاد، الذي يُشكّل دافعاً قويّاً للشخص للإقدام وعدم التردُّد.

الثّقة بالنّفس والنّجاح

تُعدّ الثّقة بالنّفس شرطاً من شروط النّجاح، ومُقوِّماً أساسيّاً من مُقوّماته؛ ذلك أنّ الشّخص من غير قَدَرٍ من الثّقة لا يستطيعُ إنجاز عمل ذا قيمة والنّجاح فيه؛ لأنّ الذي يفقد الثّقة بنفسه يخشى الإقدام والمُخاطرة، ويجد صعوبةً في إنجاز الأعمال التي تواجهه، والتي هي في نظر الآخرين سهلة المنال، بسيطة الإنجاز. وغالباً ما تُبنى الثّقة بالنّفس من خلال النّجاح في الخطوة الأولى أو الثانية؛ فنجاح الشّخص في أوّل مرحلة يكون سبباً لرفع قدر ثقته بنفسه، ودافعاً للمُواصَلة وتحقيق نجاحاتٍ أخرى في حياته، ومن هنا تظهر العلاقة بين الثّقة بالنّفس والنّجاح؛ فكلّ منهما يعتمد على الآخر، فتحقيق النّجاح يحتاج الثّقة بالنّفس، والثّقة بالنّفس يدعمها ويُقوّيها النّجاح والتفوُّق.

وقد أوردت الدّكتورة جوديث برايلس في كتابها ( الثّقة تصنع النّجاح) مجموعةً من الخواطر الهادفة في هذا الموضوع، فقالت:

  • ليس لأحدٍ سوى الشّخص أن يزيد ثقته بنفسه .
  • إذا لم يقل الشّخص (لا)، فلم تعد كلمته (نعم) ذات قيمةٍ.

آليّة تطوير الذّات والثّقة بالنّفس

يعتمد تطوير الذّات والثّقة بالنّفس على أمورٍ عديدة، على الشخص الحرص عليها ومعرفتها معرفةً دقيقةً، ومنها:

  • العلم والعمل معاً: ولإتمام النّجاح فيهما فمن الضروريّ بذل الجهد والمثابرة الدائمة، ومعرفة أنَّ النجاح حليف من يؤمن بما يتعلّمه، وحليف من يكون واثقاً من براعتهِ وقُدرتهِ، باذلاً أقصى جهده في ذلك.
  • إدراك الشّخص أنّ معارك الحياة وصعوباتها لا يفوز بها الأقوى أو الأسرع، حتّى وإن فاز وتفوّق في الخطوة الأولى، فالذي يفوز وينتصر في النّهاية هو من يعتقد أنَّه يستطيع، ومن يثق بما لديه من قدراتٍ وميّزاتٍ.
  • التخيُّل الإبداعيّ : وهو أن يرى الشّخص أو يتخيّل نفسه أنَّه ناجحٌ في المستقبل، وقد تطوّر وضعه وانتقل من حالٍ إلى حال، فهذا التّفكير يساعده على المثابرة والسّعي نحو الأفضل؛ لتحقيق النّجاح، وعليه أن يقول لنفسه: سأتجاوز أيّ تحدٍّ، وأنا أستطيع أن أفعل ما لا يستطيع غيري فعلَه.
  • المَثَل الأعلى: فمن يريد النّجاح في حياته العلميّة والعمليّة وفي المجالات والأصعدة جميعها، عليه أن يجعل لنفسه مَثَلاً ورمزاً للنّجاح، كأن يرى النّجاح في شخصيّة فلان من الناس ، كافَحَ وجاهد حتّى وصل في نهاية الأمر إلى مبتغاه، وأصبح عنواناً للنجاح، ومثالاً يُحتذى به.
  • تخصيص وقت للثّقة بالنّفس : وذلك بأن يُذكِّر الشّخص نفسه بالثّقة، فيجعل لنفسه مقداراً بسيطاً من الوقت -عشر دقائق مثلاً- ويقول: أنا واثقٌ من نفسي، ويُردّد ذلك مِراراً وتكراراً.

عوامل تطوير الذّات

من العوامل التي تساهم في تطوير الذّات ما ذكره الكاتب توراو توكودا، ومن هذه العوامل:

  • تحويل الرّغبات إلى أهداف : الكثير من الأشخاص لديهم رغبات عديدة يُريدون تحقيقها في أعماقهم، إلّا أنّهم لا يبذلون أيّ جهدٍ في سبيل تحقيق هذه الرّغبات، فيبقون في أماكنهم من غير تقدُّمٍ، ولكي يُحقَّق التقدُّم المنشود يجب رفع درجة هذه الرّغبات إلى درجةٍ أعلى من مُجرّد رغباتٍ يتمنّاها الشخص، فيجعلها أهدافاً واضحةً، ثمّ يبدأ بوضع الإجراءات اللازمة لتحقيقها.
  • البدء بالعمل فور تحديد الهدف: فلا يتحقّق الهدف عند وقوف الشّخص مُحتاراً بين هذا الهدف أو ذاك، بل عليه أن يجزم في أمره ويُحدِّد هدفه ، ثمّ ينطلق مُسرعاً للعمل والبحث في الطّرق والسُّبل المتاحة أمامه كافّةً.

فيديو تطوير الذات وبناء الشخصية

كيف تطور من شخصيتك و تبني ذاتك و الوثوق بها

مزيد من المشاركات
أهمية إدارة المشاريع لتحقيق نجاحها

أهمية إدارة المشاريع لتحقيق نجاحها

أهمية إدارة المشاريع لتحقيق نجاحها تحتاج جميع المشاريع للمدراء لتنظيم الخطط، والمهام، والجداول الزمنيّة، والميزانيّة للشراكات، الأمر الذي يُسرّع من نمو المشاريع وللحصول على موظفين أكثر كفاءة، وأرباح أكثر قيمةً وكمًّا، كما تُساعد في تنسيق الأعمال كافة لإتمامها بسلاسة، مما يؤثر بشكل إيجابيّ على النتائج، وفيما يأتي توضيح لأهميتها تفصيلًا: توفير الوقت والمال يساعد التخطيط الجيد لأعمال الشركة في ضمان تسليم المهام في الوقت المحدد وضمن تكاليف معينة، وبذلك فإنّ الإدارة الناجحة للمشروع تعتمد في الأساس
الفرق بين الملاحظة والاستنتاج

الفرق بين الملاحظة والاستنتاج

الملاحظة والاستنتاج إنّ الملاحظة والاستنتاج من أشهر الأدوات والأساليب العلمية لجمع البيانات والمعلومات التي عرفها الإنسان ومازال يستخدمها في الحصول على بياناته وتجميع المعلومات اللازمة حول كل ما يحيط به في البيئة والمجتمع الذي يعيش فيه على مر الزمن حتى وقتنا الحاضر، حيث كانت وما زالت أساساً لإدراك وفهم الظواهر الطبيعية، والبشرية، والاجتماعية، والنفسية سواء بشكل مقصود أو غير مقصود، إلا أنّ هناك لبس وخلط لدى عديد من الناس بين مفهوم كل من الملاحظة والاستنتاج وكثيراً منا من يعتقد أنّهما مترادفان،
أشعار الغدر والخيانة

أشعار الغدر والخيانة

دهتني صروف الدهر وانتشب الغدر يقول عنترة بن شداد: دَهَتني صُروفُ الدَهرِ وَاِنتَشَبَ الغَدرُ وَمَن ذا الَّذي في الناسِ يَصفو لَهُ الدَهرُ وَكَم طَرَقَتني نَكبَةٌ بَعدَ نَكبَةٍ فَفَرَّجتُها عَنّي وَما مَسَّني ضُرُّ وَلَولا سِناني وَالحُسامُ وَهِمَّتي لَما ذُكِرَت عَبسٌ وَلا نالَها فَخرُ بَنَيتُ لَهُم بَيتاً رَفيعاً مِنَ العُل تَخُرُّ لَهُ الجَوزاءُ وَالفَرغُ وَالغَفرُ وَها قَد رَحَلتُ اليَومَ عَنهُم وَأَمرُن إِلى مَن لَهُ في خَلقِهِ النَهيُ وَالأَمرُ سَيَذكُرُني قَومي إِذا الخَيلُ أَقبَلَت وَفي
حكم للحسن البصري

حكم للحسن البصري

الحسن البصريّ هو أبو سعيد يسار البصريّ، وُلِدَ عام 642م، في المدينة المنورة، اشتهر بتقواه وزهده، وهو من أكثر الشخصيات المهمة في الإسلام. وقد كان يشتهر بأنّه صديق مقرب للخليفة الأمويّ عمر بن عبدالعزيز، وكان يساعده في الأمور المتعلّقة بالدولة الإسلاميّة وبعدها أصبح قاضيّاً في البصرة، كتب الكثير من الحكم والأقوالِ جمعنا لكم أجملها في هذا المقال. حكم الحسن البصريّ ما لهم تفاقدوا، تفاقدوا، تفاقدوا، أكنّوا الكبر في قلوبهم، وأظهروا التواضع في لباسهم، والله لأحدهم أشد عجباً بكسائه من صاحب المطرف
أنواع الفنون الشعبية المصرية

أنواع الفنون الشعبية المصرية

أنواع الفنون الشعبية المصرية من أنواع الفنون الشعبية المصرية المشهورة ما يأتي ذكره: الشعر الشعبي المصري ظهر الشعر الشعبي المصري في العديد من المناسبات الاجتماعية المختلفة، وقد عبّر هذا الشعر عن ثقافة مصر والعديد من الأحداث التي مرّت بها، كما يمكن أن تعبّر عن العديد من المواقف والتجارب، وقد تميزت هذه الأشعار ببساطتها وسهولة فهمها من عامة الناس. الرقص الشعبي المصري يتميز الرقص الشعبي عند المصريين بأنه متعدد الأنواع ويعد من ثقافة الشعب، إذ توجد العديد من الرقصات التي يتم أدواؤها في المناسبات
كيفية كتابة الوصية

كيفية كتابة الوصية

صيغة الوصية لا توجد صيغة محددة وثابتة لكتابة الوصية، وإنما تتطلب كتابة الوصية أن يعبر الإنسان عمّا يريد أن يوصي به، فإذا كان على الموصي دين يجب أن يقول: (يوجد لفلان كذا من المال عليّ)، ويجب عليه أن يذكر قدر المال، وعندما يريد أن يوصي من ماله لشخص ما، فيمكنه أن يقول (أوصي لفلان بكذا من المال)، ويتطلب ذلك أيضاً ذكر مقداره، وذكرت الموسوعة الفقهية: "ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُسْلِمِ إِذَا أَوْصَى أَنْ يَكْتُبَ وَصِيَّتَهُ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا
أول من نطق العربية

أول من نطق العربية

اللغة اللغة وسيلةً من وسائل التواصل بين البشر في كل مجالات الحياة، فهي وسيلةً لترجمة ما يدور في العقل من أفكار، وتختلف اللغات حول العالم، حيت يوجد أكثر من سبعة آلاف لغة، ويطمح العديد من الناس لتعلم أكبر عدد ممكن من اللغات من أجل زيادة ثقافتهم، ولتسهيل تواصلهم مع الجنسيات المختلفة حول العالم. ومن أكثر اللغات انتشاراً حول العالم اللغة الإنجليزية واللغة الصينية واللغة الهندية واللغة الفرنسية واللغة العربية، بحيث تحتل اللغة العربية أو ما يطلق عليها لغة الضاد المرتبة الخامسة، فهي من أقدم اللغات،
معلومات عن فريدريك نيتشة

معلومات عن فريدريك نيتشة

نشأة فريدريك نيتشة وحياته وُلد نيتشه عام 1844م لعائلة دينية حيث كان والده رجل دين، لذلك ألحقوه في كلية اللاهوت لأنّهم حريصون على تخريج رجال دين من العائلة، وتوفي والده إثر سقوطه مما تسبب له بارتجاجٍ دماغيّ ونيتشه لم يبلغ الخامسة بعد فنشأ بين خمسة نساء هنّ: أمّه وشقيقته وعمتيه وجدته. ولوحظ عليه أنّه طفل يحب التأمل والشّعر والموسيقى، فبدأ مشواره في الحياة ما بين التعلّم والتدريس والتأمل والسفر والعزلة، عابرًا عدة محطات في حياته ما بين دراسته، والانضمام للجيش في الحرب، وتدريسه في الجامعة، وحبه